محمد بن محمد ابو شهبة

274

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

ثم إن العقل الباطن - على ما يقول علماء النفس - إنما يفيض بما فيه في غفلة من العقل الظاهر ، ولذلك لا يظهر ما فيه إلا عن طريق الرؤى والأحلام والأمراض كالحمّى مثلا ، والقران الكريم نزل على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهو في اليقظة ، وفي اكتمال من عقله وبدنه ، ولم ينزل منه شيء في الرؤى والنوم ، وهكذا ترى أن ما استندوا إليه من فكرة العقل الباطن لا تساعدهم بل ترد عليهم . بطلان ما زعموا أنه صرع وقد أسفّ بعض المبشّرين والمستشرقين ، فزعموا أن الحالة التي كانت تعتري النبي عند تلقي الوحي من جبريل ، وهو على حالته الملكية ، وهي الحالة التي كان يغيب فيها النبي عن الناس ، وعما حوله ، ويسمع له غطيط ، ويتصبّب عرقه ، ويثقل جسمه - هي حالة صرع تتمخض عما يخبر به أنه وحي . وإليك رد هذه الفرية لترى أنهم طعنوا في غير مطعن : 1 - إن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بشهادة الأعداء قبل الأصدقاء كان أصح الناس بدنا ، وأقواهم جسما ، وأوصافه التي تناقلها الرواة الثقات تدل على البطولة الجسمانية ، وقد بلغ من قوته أنه صارع ركانة بن عبد يزيد فصرعه ، وكان ركانة هذا مصارعا ماهرا ، ما قدر أحد أن يأتي بجانبه إلى الأرض ، ولما عرض عليه النبي الإسلام قال : صارعني فإن أنت غلبتني امنت أنك رسول اللّه ، فتصارعا ، فصرعه النبي ، فقيل : إنه أسلم عقب ذلك « 1 » . والمصاب بالصرع لا يكون على هذه القوة ، وقد شهد للنبي رجل غريب عن الإسلام ، ولكنه منصف ، قال الكاتب الأجنبي ( بودلي ) في كتابه « الرسول ، حياة محمد » مفندا هذا الزعم : ( لا يصاب بالصرع من كان في مثل الصحة التي كان يتمتاع بها محمد ، حتى قبل وفاته بأسبوع واحد ، وأن كل من تنتابه حالات الصرع كان يعتبر مجنونا ، ولو كان هناك من يوصف بالعقل ورجاحته فهو محمد ) ! !

--> ( 1 ) الإصابة في تاريخ الصحابة ، ج 1 ص 205 ؛ والاستيعاب ، ج 1 ص 531 .